العيني
101
عمدة القاري
بيان المعنى قوله : ( على عمامته وخفيه ) ، وهكذا رواه الأوزاعي وهو مشهور عنه ، وأسقط بعض الرواة عنه جعفراً من الإسناد هو خطأ ، قاله أبو حاتم الرازي ، وقال الأصيلي : ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي ، لأن شيبان رواه عن يحيى ولم يذكرها ، وتابعه حرب وأبان ، والثلاثة خالفوا الأوزاعي ، لأن شيبان رواه عن يحيى ، فوجب تغليب الجماعة على الواحد . أقول : على تقدير تفرد الأوزاعي بذكر العمامة لا يستلزم ذلك تخطئته ، لأنه زيادة من ثقة غير منافية لرواية غيره فتقبل . بيان الحكم وهو شيئان : أحدهما : المسح على العمامة . والآخر : على الخفين . أما الأول : فاختلف العلماء فيه ، فذهب الإمام أحمد إلى جواز الاقتصار على العمامة بشرط الأعمام بعد كمال الطهارة ، كما في المسح على الخفين ، واحتج المانعون بقوله تعالى : * ( وامسحوا برؤوسكم ) * ( المائدة : 6 ) ومن مسح على العمامة لم يمسح على رأسه ، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه ، فكذلك الرأس . وقال الخطابي : فرض الله مسح الرأس ، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل ، فلا يترك المتيقن للمحتمل . قال ابن المنذر : وممن مسح على العمامة : أبو بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة ، وروي عن سعد بن مالك وأبي الدارداء . وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبو ثور . وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي : لا يجوز المسح عليها ؛ وفي ( المغنى ) : ومن شرائط جواز المسح على العمامة شيئان : أحدهما : أن تكون تحت الحنك ، سواء أرخى لها ذؤابة أم لا ، قاله القاضي ، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة إذا وقع عليها الاسم . وقيل : إنما لم يجز المسح على العمامة التي ليس لها حنك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط . قال أبو عبيد : الاقتعاط : أن لا يكون تحت الحنك منها شيء . وروي أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، رأى رجلاً ليس تحت حنكه من عمامته شيء ، فحنكه بكور منها ، وقال : ما هذه الفاسقية ؟ الشرط الثاني : أن تكون ساترة لجميع الرأس إلاَّ ما جرت العادة بكشفه ، كمقدم الرأس والأذنين ، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة ، نص عليه أحمد ، ولا يجوز المسح على القلنسوة . وقال ابن المنذر : لا نعلم أحداً قال بالمسح على القلنسوة إلاَّ أنساً مسح على قلنسوته . وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان : إحداهما : يجوز ، والثانية : لا يجوز . قال نافع وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ، ولا يجوز المسح على الوقاية قولاً واحداً ، ولا نعلم فيه خلافاً لأنه لا يشق نزعها . وأما الحكم الثاني : للحديث فقد مر الكلام فيه مستوفىً . وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيىَ عَنْ أبي سَلَمَة عَنْ عَمْرٍ وقال رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِه وخُفَّيْهِ . أي : تابع الأوزاعي معمر بن راشد . فقوله : ( معمر ) بالرفع فاعل لقوله : ( تابعه ) ، والضمير المنصوب فيه للأوزاعي ، وهذه المتابعة مرسلة وليس فيها ذكر العمامة ، لما روى عنه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمر ، وقال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه ) ، هكذا وقع في مصنف عبد الرزاق ، ولم يذكر العمامة . وأبو سلمة لم يسمع من عمرو ، وإنما سمع من أبيه جعفر ، فلا حجة فيها . قاله الكرماني ، قلت : وقع في كتاب الطهارة لابن منذر من طريق معمر : وفيه إثبات ذكر العمامة ، وقال بعضهم : سماع أبي سلمة من عمرو ممكن ، فإنه مات بالمدينة سنة ستين ، وأبو سلمة مدني ، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمر . وقلت : كونه مدنياً وسماعه من خلق ماتوا قبله لا يستلزم سماعه من عمرو ، وبالاحتمال لا يثبت ذلك . 49 ( ( بابٌ إذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ ) ) قوله : ( باب ) إذا قطع عما بعده لا يكون معرباً ، لأن الإعراب لا يكون إلاَّ في جزء المركب ، وإذا أضيف إلى ما بعده بتأويل : باب في بيان إدخال الرجل رجليه في خفيه وهما طاهرتان ، أي : والحال أن رجليه طاهرتان ، عن الحدث بأن يكون الباب معرباً على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب في بيان إدخال الرجل . . . إلى آخره . والمناسبة بين البابين ظاهرة ، لأن كلاًّ منهما في حكم المسح على الخفين .